ابن خلكان

145

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

هذا ربما تحتاج إلى تغيير « 1 » البقيار فلا تجد ما تلبسه ، فقال له : إن هذا الوقت صعب كما ترى ، وربما لا أجد وقتا أصنع فيه الخير كهذا الوقت ، وأما البقيار فاني أجد عوضه كثيرا ، فخرج الوكيل وباع البقيار وتصدق بثمنه ؛ وله من هذه النوادر أشياء كثيرة . وأقام على هذه الحال إلى أن توفي مخدومه غازي - في التاريخ المذكور في ترجمته - وقام بالأمر من بعده أخوه قطب الدين مودود - وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - فاستولى عليه مدة ، ثم إنه استكثر إقطاعه وثقل عليه أمره ، فقبض عليه في شهر رجب الفرد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة . وفي أخبار زين الدين صاحب إربل طرف من خبر قبضه وحبسه في قلعة الموصل . ولم يزل مسجونا « 2 » بها إلى أن توفي في العشر الأخير من شهر رمضان المعظم ، وقيل شعبان ، سنة تسع وخمسين وخمسمائة ، وصلي عليه ، وكان يوما مشهودا من ضجيج الضعفاء « 3 » والأرامل والأيتام حول جنازته ، ودفن بالموصل إلى بعض سنة ستين ، ثم نقل إلى مكة - حرسها اللّه تعالى - وطيف به حول الكعبة ، وكان بعد أن صعدوا به ليلة الوقفة إلى جبل عرفات ، وكانوا يطوفون به كل يوم مرارا مدة مقامهم بمكة ، شرفها اللّه تعالى ، وكان يوم دخوله مكة يوما مشهودا من اجتماع الخلق والبكاء عليه ، ويقال إنه لم يعهد « 4 » عندهم مثل ذلك اليوم ، وكان معه شخص مرتب يذكر محاسنه ويعدد مآثره ، إذا وصلوا به إلى المزارات والمواضع المعظمة ، فلما انتهوا به إلى الكعبة وقف وأنشد : يا كعبة الإسلام هذا الذي * جاءك يسعى كعبة الجود قصدت في العام وهذا الذي * لم يخل يوما غير مقصود ثم حمل إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ودفن بها بالبقيع بعد أن أدخل

--> ( 1 ) ق : إلى أن تغير . ( 2 ) بر : محبوسا . ( 3 ) بر : من ضجيج الناس من الضعفاء . ( 4 ) بر : انهم لم يعهدوا .